رَيْحَانِيَاتٌ

 

 

أنقر على الصورة لتكبير غلاف الكتاب

 

"أربعون 40 حوارا مع مُحَمّد سَعِيد الرَّيْحَانِي"

 

سلسلةُ حوارات شاملة أجراها الشاعر المغربي أنس الفيلالي

 

 

 

 

كواليس الكتابة الإبداعية وآفاقها

 

 

 

 

سؤال: هل هناك علاقة كامنة بين الإبداع المكتوب والسلطة الثقافية والسياسية؟

 

جواب:  اخترعت الكتابة في البداية لتعظيم الحاكم وتخليده. لذلك، تجد حتى هذا اليوم المنقوشات المتبقية عند مداخل المدن أو القصور القديمة عبارة "أنا الملك فلان الفلاني باني... وحامي... وضامن... ومخلص...". تجد هذا لدى السومريين والكلدانيين والآشوريين وغيرهم. أما اليوم، فمهمة الكتابة هي قلب الصورة النمطية القديمة لدى قدماء الملوك والأباطرة والجبابرة. مهمة الكتابة اليوم هي إسماع صوت المهمشين وإنارة الزوايا المعتمة من الخطابات والمشاريع والمبادرات...

 

سؤال: وأنت، لمن تكتب؟

 

جواب: لعل كل كاتب يطرح هذا السؤال على ذاته قبل الشروع في تسويد ورقته. ولعله، بعد كل الإجابات، يضطر للاختيار بين أن يكتب لذاته أو يكتب لغيره. وما بين الاختيارين، تتناسل ما لا نهاية له من الفروقات والتناقضات...

 

الكتابة للآخر كانت أولى مراحل الكتابة في تاريخ البشرية لأنها تخبر أو تسأل أو تأمر متلق غائب أو محتمل، ولكنها مارست وظائفها في حدود الهامش المسموح به سياسيا واجتماعيا. ومع ضيق هامش الحرية وحجم المضايقات تحولت وجهة الكتابة إلى الداخل، داخل الذات، للإنصات إلى أحلام هذه الذات أو أنينها. فلا تواصل مع الآخر إلا بعد التواصل مع الذات ولا ثقة بالآخر إلا عبر الثقة بالذات ولا معرفة بالآخر إلا عبر معرفة الذات ومقابلتها والمصالحة معها والاستئناس بها...

 

معرفة الذات هي أساس الخروج من الدائرة المغلقة والعود الأبدي. إنها الانطلاق والتحرر والبوح والتفجر والطاقة... الكتابة للذات هي الكتابة للحرية.

 

وعليه، أعتقد بأن الكتابة الفنية، عكس الكتابة الإخبارية والتوثيقية،  كانت في البداية تعبيرا عن الخوف من الموت ومن الفناء والنسيان... وحين اضطلع عليها الآخر ورأى فيها ذاته ومخاوفه أعجب بها هو أيضا. وبذلك، تحولت الكتابة من التعبير عن الذات الفردية إلى التعبير عن الذات الجماعية.

 

ولذلك، جوابا عن سؤالك، فأنا أكتب لذاتي كما لو كنت آخر عند التحرير، وأكتب للآخر كما لو كان هذا الآخر ذاتي كما كان الأمر مع اعترافات جان جاك روسو ويوميات جان جونيه وسيرة محمد شكري الروائية... إنها دعوة للتحرر، دعوة للانفتاح وكشف المسكوت عنه عبر الحكي...

 

الكتابة للذات هي كتابة عن التوق الأساسي للإنسان نحو الحرية والحب والحلم بعالم أفضل...

 

سؤال: ما الأسباب الحقيقية الذاتية والموضوعية التي جعلتكم تختارون الكتابة؟

جواب: في البداية، في سن الثالثة عشر من العمر، كان تشجيع أستاذي في مادة اللغة العربية وخصوصا في مادة الإنشاء هو الدافع الأول للكتابة إذ كنت أكتب لأتلقى المكافأة والإطراء والمديح،  ولكنني مع مرور الزمن،  لم أعد أكتب لانتزاع النقط في امتحانات المرحلة الإعدادية وإنما عدت أكتب لنفسي. أحيانا أكتب لأنسى وأحيانا أكتب لأتذكر، ولكنني في جميع الأحوال كنت أكتب لنفسي وأجمع المسودات وأراكمها في مكان بعيد عن أيادي الفضوليين. حتى إذا مرت السنون ونضجت فكرة النشر بنوعيه الورقي والإلكتروني، كنت على موعد مع القراء دون أن أخشى لومة لائم لأنني في بعض النصوص القصصية، انتظرت عشرين عاما قبل النشر.

 

سؤال: لو سئل محمد سعيد الريحاني عن طقوس الكتابة لديه، فماذا يقول؟

 

جواب: أكتب أيام العطل. أما ما دون ذلك فأكتفي بتدوين خواطري ومشاهداتي وأحلامي على قصاصات الورق حيثما اضطررت لذلك، ماشيا او جالسا مسافرا أو متمددا على الفراش...

 

سؤال: ما هي الزاوية التي تتبادر إلى ذهنك قبل الكتابة، هل تلك الخاصة بالذات أم الوطن، أم الوجع، أم المكان، أم الحالة التي أنت عليها؟

 

جواب: ما فهمته من سؤالك هو "أيهما أسبق: التقنية السردية أم النص الأدبي الخام

 

            إذا كان فهمي صحيحا، فالنص الخام هو الأسبق دائما. اما التقنية السردية فتنتقى بعناية بعد نقاش عميق حول سبيل تحقيق النص تحقيقا ناجحا.

 

سؤال: لحظة الكتابة، هل تكتب وأنت تفكر في المتلقي الناقد أم في القارئ العادي؟

 

جواب: دائما أطرح هذا السؤال على نفسي: من هو قارئي المفترض في هذا النص؟

 

        والجواب يختلف باختلاف النصوص.

 

            لكن غالبا ما يكون القارئ المفترض قارئا ذكيا، حاذقا، حرا وعاشقا للقيم الإنسانية النبيلة ومتمسكا بها حتى الثمالة...

 

سؤال: الكتابة، بعوالهما الظاهرة والباطنة، هي إنصات للذات المكتوية بالجرح والحرقة. هل تفكر، قبل مباشرة فعل الكتابة، بتغيير العالم كما يقال؟

 

جواب: نعم، التغيير نية واردة في جميع حالات الكتابة. من الكتاب من يكتب ليغير "طريقة تذوقنا للحياة" ومنهم من يكتب ليحرض على "الخروج لتغيير العالم". وما بين "التغيير الذاتي" و"تغيير العالم"، تمتد مساحة الأدب شاسعة رحبة إلى ما لا نهاية له لتستوعب هذا وترحب بذاك.

 

سؤال: بعد خمس مجاميع قصصية، أين وصل بكم هذا الجنس السردي؟

 

جواب: القصة القصيرة هي منتصف طريق بين الرواية والقصة القصيرة جدا وأنا ممتن للقصة القصيرة كثيرا لكونها ساعدتني على الانفتاح بنجاح على الجارتين معا.

 

سؤال: هل يمكن الحديث عن مفارقات في حياة محمد سعيد الريحاني الإبداعية؟

جواب: المفارقات لا توفر أحدا ومهمة الإنسان هي التقليل منها في حياته ليس فقط ليفهمه الآخر، ولكن ليعيش هو أيضا في تناغم مع ذاته.

 

سؤال: قارئ محمد سعيد الريحاني ممن يعرفونه شخصيا، يشعر بأن أغلب كتاباته، وخاصة السردية منها، تحتوي على سيرته الشخصية. ألا تخشى خطر المزج بين ما تكتبه وما تعيشه؟

جواب: قد يكون هذا صحيحا، ولكنني أكتب أدبا متخيلا أستقيه تارة من خابية الذاكرة وتارة ثانية من خابية الحلم وتارة ثالثة من خابية اليومي العابر...

 

سؤال: مجموعتكم القصصية "موسم الهجرة إلى أي مكان  تُظْهِرُ،  من عنوانها،  تأثركم بصاحب "موسم الهجرة إلى الشمال". أليس كذلك؟

 

جواب: هذا ليس صحيحا ومن قرأ العملين سيقف عند الهوة السحيقة بينهما. ربما ما يجمعهما هو العنوان الذي أردت من خلاله تكريم رجل أديب وعمل أدبي اقترنا معا بسنة أعتبرها محطة هامة في حياتي وهي سنة 1989، السنة التي قرأت فيها "موسم الهجرة إلى الشمال" والتي قاطعت فيها الامتحانات الجامعية وتم ترسيبي لأول وآخر مرة في حياتي. كما تبقى سنة 1989 هي السنة التي أجهض فيها حلمي بالهجرة. فقبل الانطلاق بثمان وأربعين ساعة، وبتحريض من أسرتي التي عارضت فكرة هجرتي بعدما تأكدَتْ من أفواه رفاقي بقراري عدم الرجوع للمغرب ثانية، تقاطر على بيتي كل من استلفت منهم المال واعتذروا عن مساعدتي وطالبوا باسترجاع أموالهم بتبريرات ضعيفة وغير مقبولة. وبذلك، أجهِضَ حلمي في الهجرة، ولكنني هاجرت من خلال قراءات مختارة وكان من بينها رواية "موسم الهجرة إلى الشمال".

 

سؤال: تتميز هذه المجموعة، "موسم الهجرة إلى أي مكان"، بأسلوبها الساخر النابع من عمق المجتمع المغربي. فهل السخرية خاصية كتاباتكم جميعها؟

 

جواب: أميز دائما بين "مجاميعي القصصية الداكنة" و"مجاميعي القصصية الفاتحة'". فبينما ركزت "مجاميعي الداكنة" طيلة العشرين عاما الماضية على تيمة "الحرية" كما كانت "السخرية" أسلوبا لتفجير اللغة وتشتيت دلالاتها، ستركز "مجاميعي القصصية الفاتحة" على تيمتي "الحلم" و"الحب" بعدما أنهت الثورات العربية المرحلة الأولى وأنهت معها كل لجوء للسخرية التي تقترن عادة ب"العجز عن الفعل" و من ثمة "التعويض عن ذلك العجز بالسخرية منه"...

 

             في "مجاميعي القصصية الفاتحة'"، سيختفي العجز وستختفي معه السخرية ليحل محلها أسلوب جديد يليق بالمرحلة ويسمو بها.

 

سؤال: في المجموعة القصصية نفسها، "موسم الهجرة إلى أي مكان"، هناك إشارة للحياة النضالية بالجامعة، بتفاصيلها وإشاراتها، هل هي وليدة مرحلتكم بالجامعة؟ وأين كان يتموقع محمد سعيد الريحاني في فصائلها وتوجهاتها؟

 

جواب: أنا "مثقف" ولست "متمدرسا". "المثقف" مرجعياته لا حصر لها وآفاقه لا حد لها ومواقفه تحرمه أحيانا حق إصدار أعماله وأحيانا أخرى تحرمه حتى حق الدفن في المقابر كسائر الناس وفعله تطوعي لا تعويضات عليه وحياته تتجاوز المراحل والتحقيب.

 

          "المثقف" حر بالضرورة. أما "المتمدرس" فهو من حَظِيَ بفرصة دخول المدرسة فصارت بالنسبة له هي الحياة والثقافة والمنظار والسلوك  فيمجد من الكتاب من دُرّس له في المدرسة ويشغل المنهج الذي لُقّنَ إياه في المدرسة ويحتفظ مدى الحياة بانبهار خاص بأساتذة مدرسته وبأنشطة مدرسته. فالتلقي بالنسبة إلى "المتمدرس"، يبدأ وينتهي في المدرسة، والنضال يبدأ ويتنهي في المدرسة...

 

           الملايين، ممن مروا من الجامعة، يتذكرونها بحنين العجائز والشيوخ، مباشرة بعد السنة الأولى من تخرجهم منها وكأنه خارج أسوار الجامعة لا توجد جامعة أخرى أكبر وأصدق، ونضالات أخرى أطول نفسا  وشعارات أخرى أكثر عمقا. بل من تلك الملايين من قدماء الطلبة الجامعيين من يقرن الشعارات التي ترفع في فلسطين والعراق بالشعارات التي رفعت عند فترة وجوده بالجامعة التي تبقى عنده هي "مركز الكون"!

 

          الجامعة، بالنسبة لي، كانت محطة من محطات حياتي، ولكنها ليست المفسر لها. الحياة أرحب من الجامعة وأعقد منها بكثير. ولعل هذا ما يربك السلطات التي تعتبرني "إسلاميا" لأنه في عهد "التناوب والتوافق والت..." لا يمكن أن يحتج ويُصَعِّدُ في احتجاجاته لمدة طويلة طول عمر "التناوب والتوافق والت..." إلا "إسلامي"، فيما يراني الإسلاميون "يساريا" بالخطاب والسلوك. أما اليساريون فيرونني ببساطة "يساريا ضالا"!

 

 

سؤال: فيلم زمن الرفاق للمخرج محمد الشريف الطريبق هو فيلم عن  الحياة الطلابية بمدينة تطوان، شمال المغرب. وهو يدور حول الفترة نفسها التي عشتها أنت هناك كونه سيرة ذاتية للمخرج. فإلى أي حد يمكن لصدقية السيرة المكتوبة والمصورة أن تضيف بعدا جماليا للتاريخ؟

جواب: قد أكون مُخطئا إذا قلت لك هذه الفكرة التي أومن بها بعمق: "في الإخراج السنيمائي، العمل الأدبي الضعيف قد يصنع الفيلم الناجح ويضاعف حظوظ نجاحه لأنه كله ثغرات وعلى المُخرج مسؤولية ملئها. أما العمل الأدبي الجيد فيُفْشِلُ الفيلمَ على كل الواجهات لأنه لا يترك للمخرج فرصة للإضافة أو التعديل أو الملاءمة أو إثبات الذات".

 

            أما في الحالة التي يكون فيها مُخرج الفيلم هو نفسه مُبدع القصة والسيناريو فإن الفيلم غالبا ما ينجح كما حدث مع "ابْلاتُون" للمخرج الأمريكي أوليفر اسْتون Oliver Stone و"الإسكندرية كمان وكمان" للمخرج المصري يوسف شاهين وغيرهما من السير الذاتية التي حُوّلَتْ إلى أفلام سينمائية.

 

سؤال: يقول عزرا باوند: "يجب أن  أعتذر لأني اعتقدت أن في إمكاني بناء فردوس على الأرض". ما  رأيك في ذلك؟

 

جواب: يمكننا دائما بناء فراديس على الأرض إذا آمنا فعلا بالمشروع. أما الآخرون فسيلتحقون بنا حين يرون صدق النية في عيوننا والتفاني في العمل على محيانا.

 

سؤال: ما الذي يمكن أن تعتذر عنه، مثلا؟

 

جواب: تخلفي عن الرحلة التي كنا نعتزم القيام بها صيف 1989 نحو الشمال. لكنني لو كنت أقدمت عليها لما كنت رجعت ثانية إلى أرض الوطن، إسوة بأصدقائي الآخرين الذين لم يعودوا بعد عشرين عاما على هجرتهم تلك.

 

سؤال: المتتبع لما تبدعه، يجد أنك تعطي للبعد الاجتماعي بعدا سياسيا واضحا، فكيف توفق بين الوعي واللاوعي في كتاباتك السردية؟

 

جواب: لا يمكن التجزيء أبدا بين الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي في العمل الفني. المهم في العمل الفني، سواء كان لوحة تشكيلية أو نصا مكتوبا أو فيلما سينمائيا أو مقطوعة موسيقية أو رقصة، ليس هو "ما" يناقشه ولكن المهم فيه هو "كيف" يعرضه.

 

سؤال: المبدع هو من لا يسقط في فخ الحدث، ولو كان ذلك لأدرج محمود درويش قصيدته ل"محمد الدرة"، في ديوانه "حالة حصار"، أو ديوانه "لا تعتذر عما فعلت

 

جواب: الحدث يمكن أن يكون ملهما للكتابة الأدبية تماما كما يمكن للذاكرة أن تكون مُطْلقة للطاقة الإبداعية الدفينة ويمكن للمخيلة أن تكون محررة القوى المبدعة الحبيسة تحت القيود...

 

            المبدع ينهل من الخابيات الثلاث: خابية "اليومي" أو الحدث، خابية "الذاكرة" وخابية "المخيلة". فالحدث ليس دائما ساقطا. فقد انتظر العرب ألفا وخمسمئة سنة ليحضروا على حدث يحمل صفة " الربيع العربي".

 

سؤال: ولكن لماذا تصبح قصصك القصيرة نصوصا طويلة، خاصة تلك المضمنة ضمن المجموعة القصصية القادمة "2011، عام الثورة" والمخصصة للربيع  العربي؟

 

جواب: في مجموعتي القصصية القادمة "2011، عام الثورة"، أحتفي بفخر كبير بالثورات العربية الجارية. وهو احتفاء وصل حد المفاضلة بين الثورات بعدد الشهداء المقدمين في كل ثورة على حدة إذ تطول النصوص وتصغر تبعا لأعداد الشهداء من صانعيها. 

 

           ولعل النصوص المحررة لحد الساعة هي: ""ثورة الياسمين ولويس السادس عشر العربي" الخاصة بالثورة التونسية، "ثورة اللوتس ورحيل آخر الفراعنة" الخاصة بالثورة المصرية، "زغرودة بلقيس مُلْهِمَةُ ثورة سبأ" الخاصة بثورة اليمن، " ثورة خضراء تعادي كتابا كان أخضرا" الخاصة بالثورة الليبية، "الزلزال الذي أمهل آشوريا  ثلاثة آلاف سنة" الخاصة بالثورة السورية...

 

سؤال: بعد ترجمتك للعديد من النصوص من الفرنسية والإنجليزية وإليهما، هل تنوي الدخول إلى عالم إصدار الكتب المترجمة؟

 

جواب: لا أنوي خوض تلك المغامرة. أنا ناشر أعمالي الأدبية الأصلية فقط لنيتي الاحتفاظ بحقوق الملكية الفكرية درءا لكل خصام مع أي جهة عند إقدامي على إعادة نشر العمل إلكترونيا أو ترجمته إلى لغة ثانية وثالثة...

 

سؤال: ترجمة الإبداع عموما، هل هي خيانة للنص الأصلي أم هي إبداع ثان له؟

 

جواب: الترجمة تُنْعَتُ غالبا ب"الخيانة" حين ينجزها "مترجم محترف" مستعد لترجمة "أي شيء" من وإلى اللغة التي يتقنها بحيث يترجم في الدين والنقد الأدبي والتقارير الطبية وكل شيء. كما أن الترجمة تنعت ب "إبداع ثان" للنص إذا أنجزها "كاتب مترجم" او "شاعر مترجم" أو "مسرحي مترجم" أو "مترجم متخصص"... ولنا المثل في النسخة الإنجليزية ل"رباعيات الخيام" التي ترجمها الشاعر الإنجليزي إدوارد فيتزجرالد Edward FitzGerald  في بدايات القرن التاسع عشر موقعا بذلك إعجاب العالم بهذا الشاعر الذي لم يعرف به العالم قبل ذلك التاريخ، كما لنا المثل في ترجمة الأكاديمي الفرنسي والمستشرق أنطوان غالان Antoine Galland الذي أنجز أول ترجمة ل"ألف ليلة وليلة" في بداية القرن الثامن عشر؛ وهي الترجمة التي أعتمدها الأديب والمفكر الفرنسي المعروف فولتير حين أقر بقراءته وإعادة قراءته للعمل "أربعة عشر مرة" قبل أن يكتب حرفا واحدا مما كتبه خلال مشواره الأدبي والفكري الحافل بالنجاح.

 

سؤال: اهتمامك بترجمة أعمالك، هل هو نابع من طموحك للوصول إلى أكبر عدد من القراء بلغات مختلفة؟

 

جواب: للترجمة أكثر من هدف وأكثر من مطمح. إذ يمكن للترجمة أن تقدم وجها مضيئا لأديب أو لثقافة أو لعصر. كما يمكن للترجمة أن تصبح بنكا لإنقاذ النصوص والأعمال من الضياع كما أنقدت الترجمات العبرية الفلسفة الرشدية بعد تعرض كتب ابن رشد جميعها للحرق والإتلاف. ويمكن للترجمة في الختام أن تكون فرصة للتعديل أو الحذف أو الإضافة في النص الذي لا تسمح التقاليد الإبداعية بإدراجها بعد صدور الطبعة الأولى باللغة الأصل، ولكن يشترط في هذه الحالة أن يكون الكاتب هو المترجم وإلا عُدّت العملية "خيانة للنص الأصلي".

 

 

سؤال: كقاص، كيف تقيم حركة القصة القصيرة، والقصيرة جدا، بمدينة القصر الكبير خصوصا والمغرب عموما؟

 

سؤال: قيل بأن جواب: القصة القصيرة بمدينة القصر الكبير يتجاذبها فريقان. الفريق الأول سابق زمنيا ويمكن موقعته ضمن الكتابة الواقعية ومن بين هؤلاء الكتاب بوسلهام المحمدي ومحمد التطواني ومصطفى الجباري وعبد السلام الجباري... أما الفريق الثاني فحديث نسبيا ويتكون من كوكبة ضيقة من الكتاب مثل محمد الهرادي محمد أسليم ومحمد سعيد الريحاني...

 

         القصة القصيرة تشق طريقها بثبات نحو الذيوع والانتشار بسواعد أصحابها وإرادة كتابها متحدية الإكراهات المادية والرمزية التي تحف بها من كل جانب: التطاحنات بين المثقفين و"المثاقفية" من أشباه المثقفين، بين الكتاب و"الكلايمية" من أشباه الكتاب. وأنا أزن هذه المفاهيم على وزن "مخازنية". فأشباه المثقفين وأشباه الكتاب وأشباه الشعراء وأشباه النقابيين وأشباه السياسيين ليسوا غير "مخازنية"، أي "أعوان سلطة" مندسين داخل قطاعات الثقافة والفن والأدب والعمل النقابي والسياسي لعرقلة أي فعل جاد يساهم في نمو جاد يهدد سطوة التخلف العام.

 

            ولأنهم "مخازنية" أولا وأخيرا، فقد ابتكرت لهم صفات تليق بهم  على وزن "مخازنية" كل في قطاعه فكان في القطاع الثقافي "المثاقفية" (وهم أعداء الثقافة الأوائل)، وفي القطاع الأدبي "المآذبية" (وهم عشاق المآذب من هواة الأنشطة الأدبية)، وفي القطاع النقابي "النقابية" (وهم خريجو البراغماتية ممن يعيشون على الفتات وعلى "النقيب" الذي يحيل في الدارجة المغربية على "العيش على الفتات")، وفي القطاع الحزبي "الحزايبية" (وهم لا علاقة لهم بالنضال أو الفعل وإنما هم "حفظة أحزاب" هم يحفظون ستين حزبا من أي "سياسة معلبة" لقاء ما يجود به الكرام في وقت الجود والكرم). ولكنهم جميعا "مخازنية" لا يتحركون بمحض إرادتهم بل هم يُدفعون من رقابهم كالجراء للعض على سيقان أسيادهم من الأحرار في كل قطاع...

 

الشعر هو ديوان العرب، ويقول الشاعر لويس أَراغون "لولا الشعر لأُصبنا جميعًا… بالسكتة القلبية". ما هو حظ القصة القصيرة من ذلك؟

 

جواب: حتى عهد قريب، في فترة الاستعمار، كان الكتاب المغاربة يكتبون قصصا قصيرة ويرسلونها للنشر، ولكن بأسماء مستعارة حتى لا يكتشفوا لأن كتابة القصة القصيرة كانت مرتبطة في التمثل الوطني المغربي بموالاة الاستعمار وثقافة الاستعمار...

 

           والآن، بعد جلاء الاستعمار، هل يمكن لخمسين عاما من الوجود أن تجعل من نوع أدبي وليد "ديوانا للمغاربة" أو "ديوانا للعرب

 

      أنا لا أظن ذلك.

 

سؤال: القصة المغربية، هي امتداد للحركات السردية المشرقية والغربية، فأين تتموقع القصة المغربية الجديدة في الخريطتين العربية والدولية؟

 

جواب: القصة القصيرة نوع أدبي مهمش يقاوم لإثبات ذاته أمام التجذر التاريخي للشعر وأمام الهيمنة الأدبية للرواية.

 

           على الخريطة العربية، اختار المغرب الاختصاص في القصة القصيرة وأصدر أدباؤه ما لا يقل عن ستمائة مجموعة قصصية منشورة ورقيا منذ الاستقلال إلى الآن وهو عدد يفوق بكثير المائتي مجموعة قصصية التي أصدرتها الجزائر المختصة في الرواية وتونس المختصة في الشعر...

 

سؤال: النقد الأدبي، أحد مرتكزات العمل الإبداعي لتنويره للقارئ، فكيف تنظر لعلاقة النقد بالقصة المغربية القصيرة والقصيرة جدا؟

 

جواب: ما يطبع الفعل السياسي هو ذاته ما يطبع الفعل النقدي من اشتغال بطريقة "القبائل" Les Cliques إذ تكاد تتخصص هذه المجموعة من النقاد في دراسة هذا المبدع ومن يدور في فلكه، وتتخصص تلك في مطاردة ذاك ومن يقاسمه الخواص والرؤى...

 

سؤال: هل من علاقة بين الإبداع والجنون؟

 

جواب: يكفي ألا تترك اليومي يتسلط عليك كي تصبح "مبدعا"، ولكنك بعد قرارك هذا، لن تنجو من ملاحقة قدماء جلسائك وجيرانك ممن ارتهنوا لليومي إذ سينعتونك  ب"المجنون". فأنت ترى نفسك "من الداخل" مبدعا بينما غيرك يراك "من الخارج" مجنونا.  لذلك، يمكن القول بأن الإبداع هو "جوهر" الجنون بينما يبقى الجنون هو "سطح" الإبداع.

 

 

سؤال: وأنت، هل ترى نفسك مجنونا؟

 

جواب: النساء يفضلن عشاقهن مجانين، والقراء يفضلون كتابهم مجانين... حيثما حضر الحب والجمال والإبداع، حضر الجنون.

 

سؤال: داخل كل مبدع، طفل يسكنه، ما طبيعة طفلك، هل هو قلق أم مشاغب أم مسالم أم عنيف؟

 

جواب: الطفل لا يمكن التنبؤ بسلوكه. الطفل طفل. وهو بهذه الصفة قد يقبل على أي شيء دون أي شعور بالذنب أو الانتقام أو إثبات الذات...

 

سؤال: لكل مبدع، مرجعيته الجمالية والتخييلية التي ترتكز عليها مواده الإبداعية، فما هي منابع نصوصك؟

 

جواب: في كتاباتي المسرحية الأولى، تأثرت كثيرا ب"الكوميديا السوداء". وفي كتاباتي القصصية الأولى حيث همت بتيمة الحلم، تأثرت كثيرا برواد "تيار اللاشعور" من فيرجينيا وولف إلى هنري جيمس إلى ويليام فولكنر. ومع مرور الزمن، بدأت أحاول صياغة مرجعية جمالية خاصة بي تميز كتاباتي وتكسبها فرادتها.

 

سؤال: هل تتذكر نصا أتعبك كثيرا قبل أن يتكون؟

 

جواب: نص "موسم الهجرة إلى أي مكان" فقد تطلب مني تحريره ثلاث سنوات.

 

سؤال: ما هو شعورك وأنت تنتهي من الكتابة، ترجمة أو سردا أو بحثا؟

 

جواب: أحيانا أشعر بخذر لذيذ لا يعدو البسمة المستشعرة،  وأحيانا يعتريني نزوع جامح للهياج على طريقة مسجلي الأهداف في مباريات كرة القدم، ولكنني، في الحالتين، آخذ أياما للاحتفال بالإنجاز...

 

سؤال: ما هي أَحبّ مجموعة قصصية إلى نفسك من بين كل مجاميعك المنشورة؟ 

 

جواب: كل مجاميعي هي أبنائي ولا يمكنني تفضيل هذا على ذاك.

 

سؤال: ما هي طقوس تحضيرك للكتابة؟

 

جواب: من الكتاب من يعتكف في المقابر توددا للحظة الملهمة كما كان يفعل محمد شكري؛ ومنهم من يؤثث البيت الذي يكتب فيه بالساعات والمنبهات كي يعجل بالإلهام وفي باله أنه يعجل بالموت كما كان يفعل طوماس مان؛ ومنهم من كان يضع قربه، على المكتب، طبق تفاح فاسد كما كان يفعل جان جاك روسو الذي يحتاج إلى ما يلهمه سخطا على المجتمع الفاسد حدَّ الغثيان؛ ومنهم من يعود بقوة الذاكرة إلى نبع الطفولة، نبع الصفاء، نبع القوة، نبع الإبداع... وأعتقد بأنني من هذه الفئة من الكتاب.

 

سؤال: هل يمكننا الحديث عن خاصية للكتابة القصصية لديك؟

 

جواب: قراءاتي الأولى فتحت عيني على حقيقة جديدة: لكل مبدع أيقونة خاصة تميز أعماله. فقد كان لتشارل بودلير "قطة سوداء"  تدور في دماغه، وكان لإدغار آلن بو "غرابا" ينذره بالشؤم القادم، كما كان لشيلي "ريحا شمالية" يراهن عليها لتطهير الكون... لذلك خطر على بالي ضرورة حضور أيقونة في أعمالي تكسبها وحدة وخصوصية فكانت البداية مع "الطوفان"  في أول نصوصي مثل " افتح، يا سمسم !" و "أحلام الظهيرة" وغيرها ثم صار "الطيران" بديلا ل "الطوفان"  كما في نصوصي الأولى " وطن العصافير المحبطة" و" طائر العيد" وغيرهما  قبل أن أهتدي إلى الفلسفة القصصية التي صارت تميز أعمالي جميعا وهي " الكتابة بالمجموعة القصصية بدل الكتابة بالنصوص الفردية المتفرقة"، والبحث عن  "الوحدة بين الشكل والمضمون بدل الكتابة النمطية"،واعتماد "الحاءات الثلاث" تيمات ثابتة للحكي.

 

سؤال: هل تمتلك مشروعا جماليا؟

 

جواب: كلنا ننتصر للحرية، ولكن "الهدف" يسبق "الحرية" ويسبق "الفعل". ف"الهدف" ينير ل"الحرية" الطريق ويكسبها الشرعية والمصداقية. الكتابة هي بالضرورة حرة ولكن دون هدف/نظرية ، ما الجدوى من الكتابة؟

          الحديث عن نظرية للإبداع ليس بالضرورة حديث عن سلطة مدارس نقدية أو إبداعية، ولكنه حديث عن نضج الكاتب ونضج تصوره وقدرته على الدفاع عما يكتبه وعلى الحفاظ عما يكتبه. ولذلك، فمفهوم الكتابة القصصية مدعو للتنصيص الصارم على تبني مشروع نظري متفرد يغني الكتابة القصصية العربية ويرفع سقف حرياتها باستمرار.

             

العودة إلى صفحة الحوارات الأدبية

 

خريطة الموقع

 

دِفَاعًا عَنِ الْقِرَاءَةِ

بَيَانَاتُ أدبية

"الحاءات الثلاث" مضامين الغد

 روايات

 حِوَارَاتٌ مع الرَّيْحَاني

 حِوَارَاتٌ من الشرق والغربٌ

المَكْتَبَةُ الإِلكْتْرُونِيَةُ

درَاسَات سِيميَائِيَةُ للأسماء

رهانات الأغنية العربية

السيرَةُ الذَّاتِيَةُ

أدب الطفل

مجاميع قصصية على الخط

الألبوم المفتوحُ

تقديم أعمال الأصدقاء

مجاميع قصصية مشتركة

ENGLISH

FRANCAIS

الصفحة الرئيسية

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

saidraihani@hotmail.com

<title>http://www.raihantat.com/arabicversion-interviews2-index.htm</title>

<meta name="description" content=" "في حضرة الصمت والاحتجاج"، سلسلةُ حوارات شاملة من أربعين َ لقاءً صحفياً مع محمد سعيد الريحاني أجراها الشاعر المغربي أنس الفيلالي

<meta name="keywords" content=" "في حضرة الصمت والاحتجاج"، حوارات صحفية، لقاءات صحفية، أدب، فكر، فن، سياسة، محمد سعيد الريحاني، أنس الفيلالي">