رَيْحَانِيَاتٌ
"أربعون
40
حوارا مع
مُحَمّد
سَعِيد
الرَّيْحَانِي"
سلسلةُ
حوارات شاملة
أجراها
الشاعر
المغربي أنس الفيلالي
سؤال:
صدرت مجموعتك
القصصية، "في
انتظار الصباح"،
عام 2003. ماذا
تمثل هذه
المجموعة
بالنسبة إليك؟
جواب:
أصدرت "في
انتظار
الصباح" وأنا
في سن الثالثة
والثلاثين
وقد ضمنتها أغلب
النصوص التي
كتبتها في العشرينات
من العمر. وهي،
بالنسبة لي،
تبقى عاصمة
البدايات.
فالمجموعة
تجمع قراءاتي
الأولى وتجاربي
الأولى وباقي البدايات
الأخرى.
فبالنسبة
لقراءاتي
الأولى،
تتضح جلية من
خلال حوارات
شفافة بين نصي
"في انتظار الصباح"
ومسرحية
صامويل بيكيت "في
انتظار غودو"،
وبين نصي "الحياة
بملامح مجرم"
ورواية ألبير
كامو "الغريب"،
وبين نصي "أرض
الغيلان"
وملحمة
الفايكينغ
الخالدة "بيوولف"...
أما
بالنسبة لتجاربي
الأولى،
فيقرؤها
القراء
مرسومة رسما
فنيا يصل إلى
حد التجريد.
فالبطالة في
نص "افتح، يا
سمسم!" كانت بطالتي،
والاحتراق في
نص "في
انتظار الصباح"
كان احتراقي،
والهوية
المسلوبة في
نص "هوية"
كانت ورطتي،
والتكالب على
الإنسان الحر
في نص "الحياة
بملامح مجرم"
هو تكالب
عليّ...
إن
إعجابي
بمعلقات
الشعراء
العرب العظام
مند أولى
احتكاكاتي
بالأدب، ربما
كان له الأثر
في اختياري
الكتابة في
مجال القصة
القصيرة بهذه
الطريقة: الكتابة
للذات وعن
الذات...
سؤال:
هل الكتابة
مجرد كاميرا
تنقل ما يحدث
على أرض
الواقع؟
جواب:
الحياة تكون
حياة والواقع
يكون واقعا
قبل التحرير
والتدوين
والكتابة. أما
بعد الكتابة فتصبح
تلك الحياة
وذلك الواقع
مشروع حياة
جديدة
ومشروع واقع
جديد. إن
الكاتب لا
يمكنه أن يكون
ناقلا للواقع
وناسخا له.
الكاتب هو
مبدع لواقع
جديد ولحياة
جديدة. ولن
يكون في
متناوله في
وقت من الأوقات
أن يحيد عن
هدا (هذا)
الدور حتى ولو
أراد ذلك.
فالأدب هو
الأسلوب،
والأسلوب هو
الرجل،
والرجل له
زوايا نظر
خاصة به
ومبادئ
ومواقف ورهانات
واختيارات
تتحكم في ما
يكتبه فيصبح بالإمكان
تحوير الواقع
أو الحياة
التي هي
موضوع
الكتابة
ملايين
المرات، بحيث
تصبح السيرة
الذاتية أو
الحياة الفردية
المحكية
الواحدة
حيوات متعددة
وروايات لامتناهية:
حياة تشرد في
مجتمع لا مبال
كما في "الخبز
الحافي"
لمحمد شكري،
أو حياة براءة
ودلل كما في "في
الطفولة"
لعبد المجيد
بن جلون، أو
حياة تنتصر للعلم
والمعرفة كما
في "الأيام"
لطه حسين...
ولكن
هل يعقل أن
تكون حياة
فردية
بأكملها مجرد
تشرد، او مجرد
براءة، أو
مجرد علم
ومعارف؟!... هذه
هي خاصية
الأدب: خصوصية
الأسلوب
والخطاب. وهذه
هي وظيفة
الأدب:
التأثير في
القارئ بخلق
انطباع واحد
أو متقارب لدى
عموم القراء ،
وهذه هي قوته
التي بدونها
لن يبقى أدبا
والتي بدونها
ينسحب فاسحا
المجال لعلوم
إنسانية أخرى
كالتاريخ
والسوسيولوجيا
وغيرها.
سؤال:
كيف يعبر
الخاص الذي هو
الأدب عن
العام الذي هو
الوجود؟
جواب:
إن الأديب يعي
دوره بامتياز
كصاحب مواقف
اتجاه الوجود
والقضايا
المتغيرة
التي تشغل بال
الإنسانية
جمعاء. فالأدب
هو موقف مصاغ
فنيا اتجاه
قضايا
موضوعية، أي
أنه موقف خاص
اتجاه قضايا
عامة ... ولهذا،
فالأعمال
الأدبية لا
يمكن للقارئ
أن يشعر
بتكراريتها
على مر العصور
ولو أنها جميعا
كانت ولازالت
وستبقى تكتب
لنفس القيم
التي من أجلها
خرجت للوجود
كإبداع وكأدب.
وهذه القيم هي
الحب والأمل
والعدل
والمساواة
والإخاء
والكرامة
والاعتزاز
بالذات
واحترام الآخر...
وهي نفس القيم
التي قرأناها
في الأعمال
الأدبية مند
ملحمة
الإلياذة
والأوديسة
حتى نصوص اليوم
والغد.
والأدب، في سبيل
صياغة ذلك
الموقف المتفرد
من الوجود ومن
القضايا
العامة، يشغل
مجموعة من
الأدوات
الأسلوبية و
الآليات السردية
والشعرية
والمسرحية بحيث يعبر
ذلك الموقف من
الوجود ليس عن
طريق مضمونه وأفكاره
واستشهاداته،
بل من خلال
أساليبه
الفنية
المبتكرة
دوما والتي
تميز هذا
الأديب عن ذاك
مادام كلاهما
يكتب عن نفس
القيم
الإنسانية
المنشودة... وقد
يتجلى ذلك
الموقف من خلال
اختيار شخوص
العمل الأدبي
والوظائف المنوطة
بهم (وظائف
مسطحة قارة أو
وظائف نامية
متحولة) أو من
خلال تحديد
مصائرهم
(بطولية أو
انهزامية).
كما قد يتجلى
ذلك الموقف من
خلال اختيار
المكان ( مغلق/
مفتوح)،
أومن خلال اختيار
الزمان
(راهني/
مستقبلي،
ظلام/ نور). كما
يتجلى ذات الموقف
من الوجود في
العمل الأدبي
من خلال
الاختيار
الفني لنوع
الحبكة
والتصميم
المتبع في سرد
الأحداث.
ويتجلى أيضا
في اختيار
السارد
الرئيسي
للعمل السردي(ضمير
المتكلم،
ضمير
المخاطب،
السارد العالم
بكل شيء...). والحوار
أيضا من أهم
المحددات
الفنية داخل
العمل الأدبي
السردي
الكاشفة عن
الموقف الأدبي
من الوجود، إذ
إن لغيابه أو
طغيانه دلالة
قوية وفعالية
هامة في تحويل
وجهة العمل
الأدبي برمته
اتجاه اليمين
أو اليسار...
سؤال:
وكيف عبرت
مجموعة "في
انتظار الصباح"
عن الوجود؟
كيف تفاعلت مع
جدلية الخاص
والعام؟ كيف
أنتجت
خصوصيتها
الفنية
والجمالية على
خلفية القصة
القصيرة كنوع
أدبي عام؟ وما
هي الطرائق والتقنيات
السردية
المشغلة
لتحقيق تلك
الخصوصية
الجمالية؟
جواب: في
التعبير
الأدبي بكل
أشكاله
(الشعرية والمسرحية
والسردية)،
يمكن التمييز
بوضوح بين دعامتين
أساسيتين لكل
رسالة أدبية
في أي عصر من العصور
وفي أي ثقافة
من ثقافات
شعوب العالم:
دعامة الواقع
ودعامة المثال،
وكل انتصار
للواقع على
المثال أو
العكس يشكل
جهرا فصيحا
بالموقف من
الوجود. ولعل
أخلد الإبداعات
الإنسانية هي
تلك التي كانت
تنتصر دوما
للمثال على
حساب الواقع،
تنتصر لقيم
الحرية
والتغيير
والحلم بغد
أفضل وأزهر
وأشع. ولائحة
الإبداع
والمبدعين
التي تحتفظ
بها ذاكرة
الإنسانية لا
تضم غير
الإبداع الحر
والمبدعين
الأحرار.
ومجموعة
"في انتظار
الصباح"
تنتصر للمثال
على حساب
الواقع. ولأن
الواقع يبني
سلطته
وهيمنته على
دفن الذوات
الفردية الصغرى،
فقد انتصرت
المجموعة
بكافة نصوصها
للذاتي على
حساب
الموضوعي. وقد
شغلت لذلك
مجموعة من
الوظائف
الأسلوبية
والسردية مثل:
مطاردة
السارد،
إيقاف الزمن،
تفجير اللغة...
لنبدأ
بالأداة
الأولى،
مطاردة
السارد. فالانتصار
للذات، في المجموعة
القصصية "في
انتظار
الصباح"،
أوجد مجموعة
الأدوات
الأسلوبية
لمطاردة كل
أشكال السلطة
داخل نصوص
المجموعة. ولعل
أول أشكال
السلطة داخل
النص هو
السارد العارف
بخبايا
الحكاية من
أولها لآخرها
الذي يفكر في
نظام النص
أكثر مما يفكر
في حرية القارئ.
ولتقليص حضور
السارد،
شغلت
مجموعة من
الأدوات
الأسلوبية
والسردية
ومنها تقنيات:
الاستهلال، تكسير
الكتابة
السطرية
بكاليغـرامات
في محاولة
للتوحد مع
الموضوع
الموصوف، تكسير
السرد، حوارات
مسرحية وغير
مسرحية، تشغيل
ضمير المتكلم
كسارد أساسي
للنص قد يصيب
وقد يخطئ في
روايته،
تشغيل ضمير
المخاطب وإقحام
القارئ
كشخصية
رئيسية في
النص، تشغيل
الصوت واللون
كتقنية لصنع
المشهد الدرامي
وتكثيف
الدلالة...
فكل نص
من نصوص
المجموعة
يبدأ بنصيص
قصير لمؤلف
آخر في مجال
آخر سواء كان
أدبا أو فنا
أو فكرا أو
فلسفة:
نصوص
استهلالية.
ولعل الغرض من
تشغيل هده
التقنية يبقى
هو الإسهام في
تنشيط
القراءات وجعلها
فاعلة أكثر.
هذا
الحوار بين
النصوص ينتج
أحيانا
تطابقا
بين النص
الاستهلالي الخارجي
والنص القصصي الداخلي،
وأحيانا أخرى
تقاربا
بينهما،
وأحيانا ثالثة
هوة سحيقة
تستعجل
التساؤل
والتفكير.
أما
الأداة
الثانية،
فهي أداة تكسير
الكتابة
السطرية
بكاليغـرامات
في محاولة
للتوحد مع
الموضوع
الموصوف. فالرغبة
في التحرر
تتجلى
أيضا في الميل
لتحدي
قانون
الكتابة
الخطية، الكتابة
على السطر.
فتشغيل الكاليغراف
ساهم في توليد
بعد دلالي
وجمالي، كما ساهم
في جعل
النص
يتخذ شكل
صيغة الخطاب
المنطوق أو شكل
الموضوع
الموصوف كما
في نص "العيد":
"
رفــقـائـي
يتـهجـؤون
الـعبـارة
عـلى صـدر
قـميـصي
مـبـتـهجـيـن
:
" مـثــل
طـائـر "
بـهجتهم
تغمرني ... أجري ...
أرفرف ... مثل
طائر ... أطلق ذراعي
الصغيرتين
لأطير ... أحاكي
الطائر فوقي وهو
يسبح في زرقة
الـــــسماء
دون خفـق
جنـاح ...
يعلـو ... أعلـو ...
يعلو ... أعلو...
لكــــن
رفقــائي
كـانـوا
يفسدون
علــي
الطـيـران."
فانكسار
الجملة
الأخيرة
يوازي فشل
الإقلاع والتحليق
والطيران
الذي يرنو
إليه الطفل في
النص.
أما
الأداة
الثالثة،
فهي أداة تكسير
السرد. والمجموعة،"في
انتظار
الصباح"،
تنشغل كثيرا
بتكسير صوت
السارد
الواحد بتوظيف
مجموعة من
الآليات
السردية
والأسلوبية. بالأغاني،
مثلا، كما في
نص " الفرجة،
الضباب
والمشروع"
حيث تطغى
الأغنية على
صوت السارد
على فترات إيقاعية
محسوبة لتحرر
القارئ من
هيمنة الصوت الأحادي
للسارد.
كما
شغلت أدوات
سردية
وأسلوبية
أخرى مثل
اللجوء إلى ملاحظة
ثابتة تتكرر
إيقاعيا(نص "الأبدية")،
أو إلى عناوين
فرعية(نصوص "الشرخ"،
"المقص"، "حديث
غراب"، الحياة
بملامح مجرم"،
"أرض الغيلان"،"
الأفواه الفاغرة")،
أو إلى صيغ
التحذير(كما
في نص "هوية")
...
أما
الأداة
الرابعة،
فهي الحوارات
المسرحية. فما
دام الحوار
سمة مميزة
لنصوص
المجموعة،
وسلاحا فاعلا
في مطاردة
السارد
وتحرير شخوص
النص، فيمكن
التمييز بين
ثلاثة أشكال
من الحوار في
المجموعة. الشكل
الأول هو نمط الحوار
المسرحي كما
في نص "أفواه
فاغرة" .
والشكل
الثاني هو نط الحوار
الشذري
المعتمد على
الأرقام
لتمييز متلفظ
عن آخر،
كما في نص "المقص"
. وهناك نمط
ثالث وأخير
من أنماط
الحوار
المشغلة في
المجموعة،
حيث لا يوجد
سارد يقدم
الشخوص
بأسمائها ولا
بأرقامها
فتترك الفرصة
للقارئ كي
يكمل
الفراغات ويعطي
المعنى الذي
يراه مناسبا
للنص، كما
في نص "أرض
الغيلان".
أما
الأداة
الخامسة،
فهي أداة تشغيل
ضمير المتكلم
كسارد أساسي
للنص من بين التقنيات
الفاصلة بين
سلطة السارد
المتعالي
الواحد
العالم
بالظاهر
والباطن في
النص والمعصوم
من الزلل فيما
يرويه،
وبين السارد
بضمير
المتكلم
القابل لارتكاب
الخطأ...
أما الأداة
السادسة،
فهي أداة تشغيل
ضمير المخاطب
وإقحام
القارئ
كشخصية رئيسية
في النص. وهي
من بين
التقنيات
الأكثر فعلية
في تذويب سلطة
السارد
وهيبته
وتقليص نفوذه كما
في نص " حديث
غراب" ونص "الحياة
بملامح
مجرم"...
سؤال:
اشتغلت في مجموعتك
القصصية، "في
انتظار
الصباح"، على سكونية
الزمن. لماذا؟
جواب:
ملك
الشعر
العربي، امرؤ
القيس، حين
أراد قول
الشعر في
معلقته
الخالدة، أمر بوقف
القافلة التي
كان ضمنها.
فإيقاف
القافلة
وإيقاف الزمن
ضرورة للقول
الشعري
والتعبير
الفني:
قفا
نبك من ذكري
حبيب ومنزل *** بسقط
اللوى بين
الدخول فحومل
ولكن
في مجموعة "في
انتظار
الصباح"،
ليس هناك
إيقاف للزمن
بل هناك صور
للزمن الواقف
أصلا وعلى
الدوام...
الموقف
من الزمن
نقرأه منذ
الصفحة
الثالثة على
شكل تصدير
للمجموعة:
"إنه
عملية انتظار
لا تنتهي
ولكنها تبدو
من جديد بشكل
خفي كل يوم.
وإذا كان
الانتظار
ينطوي على
حركة فهي حركة
دائرية، إن كل
يوم عود إلى
اليوم السابق.
لا شيء يكمل
لأن ما من شيء
يمكن إكماله".
سؤال:
هل كنت تكتب
المواقف في
مجموعتك
القصصية، "في
انتظار
الصباح"؟
جواب:
لا يمكنك أن تكتب
شيئا آخر غير
المواقف مهما
حاولت تضليل القارئ.
أنت دائما
تعبر عن
مواقفك
بالكلمة أو بالإيماءة
أو باللون أو
بالنغمة...
إن
العمل الأدبي
ليس تقريرا
مختبريا
منفصلا عن
ذاتية الكاتب
أو الشاعر او
المسرحي مبدع
العمل. إن
الأدب ، سواء
كان صرخة أو
مجاملة، يبقى
موقفا فنيا
اتجاه قضية
عامة. الأدب
يبقى موقفا،
ولكنه موقف
يعبر عن ذاته
من خلال شكله
وأساليب عرضه
وليس بمضمونه
ومرجعياته.
ومجموعة "في
انتظار
الصباح" حكت
مواقفها
جماليا.
وهذه هي قوة
الأدب، وهذا
هو لب خصوصيته
وفرادته.
العودة
إلى صفحة
الحوارات
الأدبية
خريطة
الموقع
|
جميع
الحقوق محفوظة
للمؤلف |

<title>http://www.raihantat.com/arabicversion-interviews2-index.htm</title>
<meta name="description" content=" "في
حضرة الصمت
والاحتجاج"
<meta name="keywords" content=" "في
حضرة الصمت
والاحتجاج"