|
رَيْحَانِيَاتٌ |
||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"وَرَاءَ كُلِّ
عَظِيمٍ أَقْزَامٌ"
مجموعة
قصصية
مدينة بوفراح
"الاستبداد أعظم بلاء، يتعجل الله به الانتقام من عباده الخاملين ولا
يرفعه عنهم حتى يتوبوا توبة الأنفة..."
عبد الرحمان الكواكبي
"طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"
دار الشرق العربي، الطبعة
الخامسة، 2003، ص: 29
الحي بأكمله ينتظر اليوم الذي سيفرح فيه "بُوفْرَاحْ"
فيتدافع الكبار والصغار كالفراش ليتحلقوا حول المنزل الذي ستنبعث منه
روائع الإيقاعات وتصدح منه أجمل الأصوات وتُبَثَُ منه أحلى الأغاني إلى كل أحياء
المدينة فينجذب لها الكبار والصغار من الأحياء الأخرى، المجاورة والنائية، ممتطين
دراجاتهم أو مترجلين مسرعين في خطواتهم في سباق مع الباعة المتجولين وهم يدفعون
عرباتهم اليدوية نحو بيت الفرح في يوم الفرح لبيع السجائر بالتقسيط والألعاب
النارية والحلوى و"الشامية" و"عسولة"
والبالونات الزاهية الألوان...
لا يعرف الباعة المتجولون وقت فرح "بُوفْرَاحْ"ولا
تنفع في الأمر نميمة نمام. لكنهم ينشطون من عقال حين تصل إلى مسامعهم
طلائع الإيقاعات السعيدة ولو كانوا في خلوة ليلية مع زيجاتهم فيقفزون من الفراش
نحو العربة يرتبون سلعهم فوقها على عجل ويتسابقون نحو عنوان"بُوفْرَاحْ"
فهو الوحيد الذي يمكنه أن يفرح في المدينة التي لا يتزوج فيها أحد ولا
يولد فيها أحد ولا ينجح فيها أحد ولا يعود إليها من ديار الغربة أحد من الأحبة
الذين يفرح لهم القلب...
ليس ل"بُوفْرَاحْ" يوم خاص
بالفرح كيوم الجمعة أو السبت أو الأحد أو غيرها من الأيام على أجندات الانضباط
والتنظيم. ولكنه إذا نقر دفُّهُ، دقت معه ساعة الخروج في المدينة برمتها
ودقت ساعة الحج نحو بيته المغلق في وجه الجميع. يوم فرح "بُوفْرَاحْ"
مهرجان ما بعده مهرجان، انتفاضة فرح لا يغيب عنها إلا الموتى...
في الصبيحة الموالية لكل ليلة فرح، يتسابق الناس
لمعرفة من هو "بُوفْرَاحْ". فيصطفون قرب باب البيت،
الذي كان في الليلة السابقة قبلة الباحثين عن الرواج والربح
ومغناطيسا جاذبا لكل الباحثين عن حمََام سعادة، للظفر بشرف
رؤية الرجل الذي يطرب المدينة ويسعدها دون أضواء ودون مطامع ودون حتى أن يظهر
للناس الدين يسعدون بسعادته...
يخرج من باب البيت المُحْتَشَدِ حوله رجل
وقور بلحية طليقة وبصمة الزهد والتعبد على جبينه وهو يدفع عربة عليها
ميزان صدئ وصناديق خشبية فارغة...
بعد فترة، يخرج من الباب أطفال بمحافظ
صغيرة متشابكي الأيدي يخطون مسرعين نحو المدرسة...
في الأخير، تخرج من الباب امرأة بسلة فارغة وتقفل
الباب الخشبي خلفها بالمفتاح...
يتساءل الفضوليون المحتشدون حول الباب:
- أهذه هي كل العائلة التي تقطن هنا وتطرب المدينة
بأكملها؟
- أين صوت الرجل الذي يغني طول الليل؟
إن الرجل الذي خرج أمام أعيننا يبدو زاهد في أمور الدنيا!...
- أين المرأة التي تمول وتغني وتبدع المواويل ليلا؟ إن المرأة
التي خرجت أمامنا حذرة ولا وقت لها للاسترخاء والمواويل!...
بجوار بيت "بُوفْرَاحْ"، في
المدرسة، طلبت المعلمة من التلاميذ في حصة التربية الفنية، رسم حفل "بُوفْرَاحْ"
وظلت تشرح وتطيل في الشرح، تفصل في التفصيل في تقنيات الرسم والترميد
والتلوين لكنها، وهي تتجول بين صفوف التلاميذ، انجذبت لإحدى اللوحات تحت رأس
تلميذ مندمج في التلوين غير آبه بجبهته وهي تحتك بكراسته من فرط الانصهار مع
موضوع الرسم.
سألته عن الشخوص التي يؤثث بها لوحة
فرحه البهيج، فشرع الطفل الفنان يشرح لوحته وهو يسمي شخوصه
" بابا " و" ماما "
و"أختي"...
سألته:
- من تكون؟
فأجاب:
- "بُوفْرَاحْ" هو أبي وبيت "بُوفْرَاحْ"
هو بيتنا!
فرحت المعلمة ونسيت أنها في القسم وعانقت
الطفل بحرارة انتبه لها باقي التلاميذ فصرخ آخر من الطاولة الخلفية:
- وأنا أيضا ابن "بُوفْرَاحْ"!
فجرت إليه المعلمة وعانقته قبل أن تصل
مسامعها صرخة ثالثة من الصف الثالث على اليمين:
- وأنا بنت "بُوفْرَاحْ"!
وصرخ طفل آخر من هنا وآخر من هناك وآخر من هنالك:
- وأنا طفل جاره!
- وأنا ابنة أخيه !
- وأنا من قبيلته!...
كانت المعلمة تعانق تلاميذها طفلة بعد طفلة
وطفلا بعد طفل وتقبلهم بحرارة في نفس الوقت الذي كان فيه التلاميذ حولها يعانقون
بعضهم البعض ويقبلون بعضهم بعضا. وفي قلب العناق والتحايا، نما إيقاع خافت
وبدأ غناء هامس شرع يكبر ويكبر حتى غدا إيقاعا مسموعا على الطاولات وكورالا جماعيا
لتلاميذ لم ينتبهوا حتى لدخول مدير المدرسة إلى القسم.
حاول المدير أن يرسم على وجهه ملامح القسوة لفرض
النظام واستعادة هيبة المؤسسة لكن حيلته لم تنجح مع أطفال سعداء عرضوا عليه الرقص
معهم مثنى وثلاث ورباع...
في البداية، كان المدير يطلب منهم أن يطلقوا من
يده كي يسيطر على الوضع ويعيد النظام للقسم لكنه حين تمكن منه الاندماج والفرح صار
المدير يطلب من أطفال القسم أن يطلقوا من يده كي يشد بأطراف جلبابه
ويركل الأرض على إيقاع النقر على الطاولات فيفرز عجيزته ويديرها مغمض
العينين سعيد السحنات حتى إذا ما فتح عينيه كان معلمو ومعلمات الأقسام
الأخرى قد داهموا القسم بتلاميذهم منجذبين لسحر الإيقاع مختلطين بهياج الهائجين
وفرح الفرحين. ولأن أرض القسم ضاقت بالحشود، فقد صعد الصغار للرقص على
الطاولات بينما خلت أرضية القسم للمعلمات والمعلمين والمدير وطباخي المطعم وحراس
المدرسة...
في الخارج كانت التجارة رائجة والحركة
دائبة والجموع غفيرة والبالونات الزاهية تحلق في الأجواء والألعاب النارية تزين
السماء والناس ترقص وتتراقص فرادى وزمرا. وحين فُتِحَ بابُ القسم لخروج التلاميذ،
شبت سعادة إضافية بينهم وكان آباء وأولياء التلاميذ الذي ألفوا مرافقة أطفالهم
خلال العودة إلى البيت، مضطرين لحمل أطفالهم على أكتافهم وسط الزحام والهياج
والدفع والتدافع...
على رصيف المدرسة، كان المدير، تحت تأثير
اللحظة يحمل ميكروفونا وهو يخطب أمام جمع لم يجتمع حول المدرسة منذ اخترعت الكتابة
قبل آلاف السنين. فوجد نفسه يخاطب الآباء والأمهات والتلاميذ وشركاء المدرسة بنغمة
لم يعهدها في صوته:
" أيها الأحبة، إنه ليوم عظيم لم
أشهده في حياتي. ولتخليد هذه الذكرى العظيمة في نفوسنا جميعا سأعمل ما في جهدي
لتغيير اسم هذه المدرسة من "مدرسة الحجاج بن يوسف الثقفي" إلى
مدرسة "بُوفْرَاحْ" وسنستحضر هذا اليوم الجميل بكامل تفاصيله
كلما نطقنا بالاسم الجديد لهذه المدرسة. ولتكن حياتنا كلها أفراح في
أفراح"...
في الغد، كانت لوحة جديدة مذهبة قد علقت على مدخل
المدرسة كتب عليها: "مدرسة بُوفْرَاحْ".
وفي اليوم الموالي، استُبْدِلَ الاسمُ القديمُ
للشارع الرئيسي للمدينة ب "شارع بُوفْرَاحْ". وفي الأسبوع
الثالث، افتتحت السينما الجديدة بالمدينة وأطلق عليها اسم "سينما بُوفْرَاحْ".
وفي الشهر الموالي، غير اسم المحطة الطرقية لتصبح "محطة بُوفْرَاحْ".
وتقدم سكان الحي لتغيير اسم حيهم ليصبح "حي بُوفْرَاحْ"، وتسابق
التجار والمقاولون على المصالح البلدية لتغيير أسماء مقاولاتهم ومشاريعهم
فكانت "ملبنات بُوفْرَاحْ" و"مطاعم بُوفْرَاحْ"
و"مقاهي بُوفْرَاحْ" و"مخابز بُوفْرَاحْ"
و"معاصر زيتون بُوفْرَاحْ" و"مصابن بُوفْرَاحْ"...
وفي عز هذا الهياج، شاعت الرغبة في معرفة من هو
"بوفراح" الذي قلب أسفل المدينة على أعلاها. لكن الأمر انتهى إلى
حقيقة مُحَيّرَة.
"بُوفْرَاحْ" اسم رجل من
دوار "الفْرَيْحِيِينْ" واسمه الكامل "بُوفْرَاحْ الفْرَيْحِي"
وهو بائع خضر متجول يقيم حفلا عائليا خاصا في بيته عندما لا يبيع شيئا خلال
النهار. وليعوض البؤس ويسلي صغاره في البيت ويحافظ على معنوياتهم، كان
يقيم سهرة عائلية لا تنتهي إلا بنوم سعيد لكل أطفاله. وقد انتبه الأطفال خلسة
لمصدر سعادتهم فصار مطلبهم السري هو ألا يبيع والدهم شيئا خلال النهار كي يرقصوا
طيلة الليل في الوقت الذي كان فيه "بُوفْرَاحْ" يعتقد أن الدافع
للحفل سري للغاية.
احتار الناس...
إن الرجل الذي يسعد الجميع هو رجل لا
يجد حتى ما يسد به رمقه ورمق صغاره!...
شبت الحيرة بين أزقة المدينة وألهبت الألسن
والأفئدة وبدأ التفكير في الخروج في تظاهرة من أقصى المدينة إلى أقصاها مطالبين
فيها بأن يكون "بُوفْرَاحْ" الذي يدخل السعادة لقلوب الناس
رئيسا لعموم الشعب.
خرجت الجموع الغفيرة في مسيرة عفوية مطالبة
بتغيير اسم المدينة من "مدينة الحجاج بن يوسف الثقفي" إلى "مدينة بُوفْرَاحْ"
وتغيير اسم البلد من "جمهورية الحجاج بن يوسف الثقفي"
إلى "جمهورية بُوفْرَاحْ" وليكن "بُوفْرَاحْ"
أول رؤسائها.
انتهت المسيرة العفوية بالوقوف الجماهيري الغفير
الصاخب عند باب المجلس البلدي بالمدينة.
خرج إليهم رئيس المجلس عارضا استعداده للحوار
لكنه لقي صرخة جماعية موحدة:
- نريد "بُوفْرَاحْ" رئيسا
للبلاد!...
فاستدار الرئيس جهة أحد مرافقيه وسأله بصوت
مسموع:
- من هو "بُوفْرَاحْ"؟
فهاجت الجموع الغفيرة:
- إنه لا يعرف حتى "بُوفْرَاحْ"؟!...
فزعق صوت منفرد من بين الجموع:
- أي حوار يمكننا فتحه معكم وأنتم لا تعرفون حتى "بُوفْرَاحْ"؟!...
صرخت الجموع صرخة رجل واحد:
- نريد "بُوفْرَاحْ" رئيسا
للبلاد!...
فأجابهم صوت الرئيس من عل:
- ولكن رئيس البلاد يتم اختياره من خلال صناديق
الاقتراع!
فزأرت الجموع زئير أسد واحد:
- خذوا صناديقكم واختاروا بعضكم بعضا. أما نحن، فقد قررنا أن يصير "بُوفْرَاحْ"
رئيسا لنا. فالسعادة التي يدخلها إلى قلوبنا وحياتنا
تضيق بها صناديقكم ويضيق بها اقتراعكم. نحن
نريد "بُوفْرَاحْ" رئيسا للبلاد!
عاد الصوت الذي لم يعد عاليا هده المرة ليطمئن
الجموع الجادة في مطلبها، قائلا:
- حسنا، سنرسل مطلبكم للجهات المعنية لدراسته وسنرد
عليكم بعد أيام معدودة.
هللت الجماهير بفرح وصل دبيبه أوصال الرئيس
ذاته، وزغردت النساء احتفاء بأول إجماع حصل في حياة سكان المدينة وبتحقق أول مطلب
في تاريخ البلد، فانطلقوا مهللين:
- عاش "بُوفْرَاحْ"!
- عاش!...
- عاش "بُوفْرَاحْ"!
- عاش!...
فوق الحشود الغفيرة المتدفقة نحو شوارع
المدينة الرئيسية، كان رجل ملتح ببصمة الزهد على جبينه محمولا على الأكتاف وهو
يرسم بسبابته ووسطاه علامة النصر للجماهير التي تردد بانتصار:
- عاش "بُوفْرَاحْ"!
- عاش!...
- عاش "بُوفْرَاحْ"!
- عاش!...
12
مارس 2008
العودة إلى مواد المجموعة القصصية
إِنِّي خَيّرْتُكُمْ، فَاخْتَارُوا!
"عَبْزْفْ"، القِرْدُ الهَجَّاءُ
خريطة الموقع
جميع
الحقوق محفوظة للمؤلف
ALL RIGHTS RESERVED
e-mail : saidraihani@hotmail.com

<title>http://www.raihanyat.com/arabicversion-shortstory2-index.htm</title>
<meta name="description"
content="أعمال محمد سعيد الريحاني القصصية،
حذاء خاص بوجوه العظماء، أبو القاسم الطنبوري، نوادر العرب، الطاغية، قزم، وراء كل
رجل عظيم أقزام
writing">
<meta name="keywords" content=" نصوص
قصصية-
كتابات سردية- سرد- مجموعة قصصية">