رَيْحَانِيَاتٌ

 

 

 

 

 

 

 

الحاءات الثلاث

أعمال مشتركة

المدرسة الحائية

مجاميع قصصية

لقاءات مع مبدعين

روايات

 لقاءات مع الريحاني

بَيَانَاتُ أدبية

دِفَاعًا عَنِ الْقِرَاءَةِ

تكريم الأصدقاء

مترجمات ْ

قصص قصيرة جدا

درَاسَاتُ إسمية

المَكْتَبَةُ الإلكترونية

الأغنية العربية

السيرَةُ الذَّاتِيَةُ

أدب الطفل

الألبوم المفتوحُ

 

 

 

 

 

قصائد شعرية

أبحاث في الترجمة

أبحاث  في الفن

أبحاث  في الإعلام

 

 

"موت المؤلف"

 

مجموعة قصصية

 


كل حياتنا للراحة وكل مـَمَاتنا للقلق

 

 

 

 

لكلِّ جديد لَـذَّةٌ غير أنَّني

رأَيْتُ جديد الموت غيرَ لذيذ
لَهُ خَبْطَةٌ في الخَلْقِ ليستْ بِسُكَّرٍ

 و لاَ طَعْمَ راحٍ يُشْتَهى و نَبيذُ

 

الحطيئة

(جرول بن أوس بن أبي قُطَيْعة بن عبس)

 

 

 

 

صحيح أنني لا أستطيع تحريك أطرافي بسبب ضيق هذا الرداء الذي يغطيني من أعلى رأسي إلى أخمص قدمي لكنني أستمتع بهذه الرحلة محمولا على الأكتاف على سريري الخشبي العاري بعينين مغمضتين ويدين مضمومتين فوق صدري العاري تحت هذا الرداء الأبيض الخفيف...

 

أعلم أنني في وضع أحسد عليه. وحدهم الفراعنة وأباطرة الهند والصين والأزتيك والمايا والإنكا نالوا شرف هذه التجربة: تجربة السفر محمولا  على السرير دون الحاجة لعجلات لعجلات ولا لمقود ولا لحزام السلامة ما دام على الأرض من يتدبر الأمر...

 

طبعا سيحسدني السائقون لكن الحسد الكبير هو حسد من هم في السماء، ربابنة الطائرات. فكلانا يطير. لكن طيراني أكثر أمانا لأنني أحلق على بعد مترين  فقط  من الأرض وهو ما لا يستطيع القيام به أمهر ربابنة الجو على مر العصور...

عيناي مغمضتان ويداي مضمومتان على صدري العاري تحت هذا الرداء الأبيض الخفيف، أستمتع بهذا الكورال الكبير الذي يرافق رحلة سريري الخشبي:

 

«لا إله الا الله، محمد رسول الله

لا إله الا الله، محمد رسول الله

لا إله الا الله، محمد رسول الله...»

 

سمعت هذه اللازمة كثيرا في المآتم والجنائز لكنني لم أشعر في يوم من الأيام بما توحي به من سكينة وطمأنينة وسلام مثلما أشعر بها اليوم. فلا وشوشة ولا نميمة على ألسن  الأفواه  تحتي تعكر إيقاع الإنشاد الذي لا يتقدم ولا ينقص فاللازمة  القصيرة هي سيدة الملفوظ والمفكر فيه معا، وهي أيضا اللازمة والنص معاً.

 

كانت عيناي مغمضتين ويداي مضمومتين على صدري العاري تحت هذا الرداء الخفيف حين أحسست بنزول سريري على الأرض مع توقف الكورال عن التشهد الجماعي.

 

الصمت يعم المكان الذي أحسه ظليلا هده اللحظة  إلا بين الفينة والأخرى فكانت تصلني تكبيرات فردية قريبة تليها موجة جماعية عالية من التكبير  من الجهة الخلفية لسريري الخشبي.

 

كانت عيناي مغمضتين ويداي مضمومتين إلى صدري العاري تحت هذا الرداء الخفيف حين رُفِع سريري فوق الأكتاف من جديد خارجا إلى ضوء الشمس على إيقاع الكورال الكبير اللازمة القصيرة.

 

«لا إله الا الله، محمد رسول الله

لا إله الا الله، محمد رسول الله

لا إله الا الله، محمد رسول الله...»

 

كانت عيناي لا زالت مغمضتين ويداي مضمومتين إلى صدري العاري تحت هذاالرداء الأبيض حين أحسست بالأيدي تتسابق لانشالي من سريري الخشبي.

 

هل هي نهاية الرحلة؟

 

ضربات المعاول والفؤوس على الأرض تصلني من كل مكان.

 

هل هذا حقل؟

 

وما علاقتي بالحقول؟

 

هل سيوظفونني في هذا الحقل  كفزاعة تخيف الطيور المغيرة على المحاصيل؟

 

لكن المكان الذي وضعوني فيه عميق وضيق وبارد ويبدو أنه تحت الأرض وليس فوقها!...

 

ما هي وجهة الفزاعة التي أصبحتها؟

 

فزّاعة للطيور أم فزّاعة للأفاعي؟

 

سمعت أحدهم يسأل:

- "أين عائلة الفقيد كي ترى وجهه قبل أن يوارى التراب؟"

 

فكان الرد سريعا:

- "لا حاجة لذلك".

 

هل يعتقدون بأنني ميت؟

 

هل سَيُوَارُونَني الثرى؟

 

علي إذن أن أتحرك!

 

 يجب أن أخرج!

 

سيدفنني هؤلاء الملاعين حيا!...

 

هل هذه هي نهاية الرحلة؟

 

هل هذه هي الغاية التي كنت أستمتع بأساليبها وأدواتها؟

 

بدأت أحس الآن بارتطام الألواح الصخرية على حافتي اللحد فوقي وها هو صليل معادن الفؤوس والمعاول وهي تدفع أكوام التراب فوق الألواح وتقطع صلتي بالعالم القديم وتُؤْذي طبْلَةَ أذنَيّ...

 

يبدو انني سأنتظر طويلا حتى يخفت بالتدريج صليل المعادن الهائجة مع ابتعاد وقع خطى مشيعي جنازتي رويدا رويدا بحثا عن غفل آخرين على أسرة خشبية أخرى ليسوقوهم إلى جواري ويطمروهم بجانبي، أحياءً يُرَمشُونَ.

 

الصمت، الآن، قاتل!

 

ماذا أنتظر هنا، حَيّاً أُرَمّشُ؟

 

هل باستطاعة الملائكة القدوم إلي في قبري لمساءلتي ومحاسبتي وأنا لا زلْت حيّا أُرْزَق؟

 

الضّيقُ، هُنا، قَاتلٌ!

 

هنا، لا يمكنني حتى التقلب وتغيير وضعية رقادي من الاستناد على يدي اليمنى إلى الاستناد على يدي  اليسرى. هل هذه هي الراحة الأبدية التي طالما تحدثنا عنها عندما كنا فوق الأرض؟

 

هل سيمتد عذابي هذا إلى الأبد؟

 

لم أفهم في حينه أن هذا سيكون هو مصيري المحتوم عندما كنت محمولا على الأكتاف.

 

 الوحدة، هنا، قاتلة!

 

لماذا حملوني إلى المقبرة؟

 

لماذا اعتقدوا بأنني ميت؟

 

هل تأخرت في النوم؟

 

هل دخلت غيبوبة وصلت الشهرين فيئسوا من حالي؟

 

هل كنت ميتا قبل أن  أعود إلى الحياة على متن النعش؟

 

كيفما كان الحال، عليهم أن يرجعوني، حالا، إلى بيتي ما دمت حيّا.

 

سأصْرُخُ.

 

بدأت أصرخ لكن صراخي ظل يعود علي بالصُّداع إذْ ترجعه الألواح الصخرية المصففة مباشرة فوق جسدي.

 

عليّ أن أصْبرَ وأستمرّ في الصراخ كَيْ أُسْمعَ صوتي لمن لا زال يتسكع فوق أرض المقبرة قرب قبري.

 

عليّ أن أثير الإنتباه إلى كوني مدفوناً حيّاً. لكن البُحّة تمكّنت من صوتي والعطش بدأ يُجَفّف حلقي والنتيجة دائرية الصفر.

 

الصراخ، إذن، غير مجد.

 

سأحاول خَلْخَلَةَ الألواح الصخرية المرتبة عرضيا فوقي بضربات رأسية  مادامت أطرافي موثقة تحت الكفن.

 

حاولت لكنني لم أستطع تنفيذ ضربة رأسية واحدة لعدم قدرتي على الارتكاز على نقطة تسعفني في ذلك. فأنا ممدّدٌ مثل مسطرة داخل مقلمة حجرية ضيقة بيديْن ورجليْن مغلولتيْن.

 

أنا الآن أحاول معالجة أمر كان علي تجنبه منذ البداية. لقد كان عليّ أن أنتفض، قبل الآن. كان عليّ أن أنتفض حين كنت محمولاً على الأكتاف أو أن أصرخ في عز الصمت المصاحب لصلاة الجنازة، جنازتي... لكنني قبلت بدور الميّت الذي فُرض عليّ عندما كنت حياّ والآن أحاولُ لَعبَ دوْر الحَيّ وأنا في عداد الأمْوات!...

 

لكنْ، ألمْ يعرف المتناوبون على حمل نعشي، من خلال وزني، بأنني لا زلت حيّاً؟

 

لا شكّ أن العنادة والإصرار على دفني أعمى هؤلاء عن معرفة الحقيقة فلم يدركوا أنني لا زلت على قيد الحياة.

 

الظلام، هُنا، قاتل.

 

لا أرى شيئا!

 

لا أرى حتى جسدي!

 

نعم، أعرف بأن جسدي معي هنا لكن فقط من خلال تحسّس أعضائه عضواً عضواً: بالعض على شفتي مثلا أو الضغط  بذراعي على قفصي الصدري أو بفرك أصابع قدمي... لكنني بدأت الآن أشعر بعامل خارجي مساعد يثبت لي بالملموس، رغم الظلام المطلق، أن جسدي هنا في هذا القبر في هذه اللحظة: النّمل.

 

لقد بدأ النمل يعبر جسدي في قوافل متحركة من أخمص قدمي إلى هامة رأسي، جيئة وذهابا. أحسه يرسم مستقيمات متوازية ومتقاطعة ومتعامدة على جسدي، يتجمع في نقاط ويوسع عدده في دوائر هنا وهناك.

 

ألا يعلم النمل، من خلال نبضي، أنني حيّ؟

 

ألا يجدر بالنمل اقتفاء أثر الملائكة فيتروى ويؤجل هجومه عليّ إلى مابعد موْتي؟

 

وخز وقرص وعض في كل مكان من جسمي وليس لي حتى المساحة الكافية لثني ركبتي!

 

صراخي يشتد ويحتد مع النهش المسعور للنمل الجائع. أصرخ وأصرخ وأصرخ ولا أتوقف عن الصراخ والنباح والعواء إلا على رنين الساعة المنبهة معلنةً وقتَ اليقظة في صباح مختلف تحت غطاء مختلف على سرير مختلف.

 

 

 

26 مارس 2007

 

 

العودة إلى مواد المجموعة القصصية

 

 

 

الحياة كما يتمناها الأموات

كل حياتنا للراحة وكل مماتنا للقلق

حالة تَبَلُّد

حالة تَسَمُّم

اذكروا موتاكم بخير!

على سرير الموت

أسوأ قدر لأسوأ أسير

الموت على طريقة الأباطرة

قاتلي، أنا لا زلت حيا!

مَوْتُ المُؤَلّفِ

 

 

خريطة الموقع

 

 

روايات

بَيَانَاتُ أدبية

"الحاءات الثلاث" مضامين الغد

مجاميع قصصية على الخط

 حِوَارَاتٌ مع الرَّيْحَاني

 حِوَارَاتٌ من الشرق والغربٌ

مجاميع قصصية مشتركة

درَاسَات سِيميَائِيَةُ للأسماء

دِفَاعًا عَنِ الْقِرَاءَةِ

السيرَةُ الذَّاتِيَةُ

المَكْتَبَةُ الإِلكْتْرُونِيَةُ

رهانات الأغنية العربية

ENGLISH

FRANCAIS

الصفحة الرئيسية

 

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

 

ALL RIGHTS RESERVED

 

e-mail : saidraihani@hotmail.com

 

<title>http://www.raihanyat.com/arabicversion-shortstory5-index.htm</title>

<meta name="description" content="أعمال محمد سعيد الريحاني القصصية، موت المؤلف، writing">

<meta name="keywords" content=" نصوص قصصية-  كتابات سردية- سرد- مجموعة قصصية">