|
رَيْحَانِيَاتٌ |
||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"موت المؤلف"
مجموعة
قصصية
اذكروا موتاكم بخير
ما
للقبور كأنّما لا ساكن فيها
و قد حوت العصور الماضية
طوت الملايين الكثيرة قبلنا
و لسوف تطوينا و تبقى خالية
أين ألمها و عيونها و فتونها?
أين الجبابر و الملوك العاتية ؟
زالوا من الدنيا كأن لم يولدوا
سحقتهم كفّ القضاء القاسية
إنّ الحياة قصيدة أعمارنا
أبياتها والموت فيها قافية
إليا أبو ماضي
"الحياة
قصيدة"
الضربة الواحدة المدوية
في سماء البلاد نتعرف مصدرها للتو جميعا على أنها الرعد. لكن هذا الطرق المتردد
على جميع أبواب بيوت البلاد في نفس الوقت وبنفس الإلحاح لا يمكنه أن يكون إلا
لأعوان السلطة الخارجين اليوم في مهام حشد الناس لحضور جنازة فخامة السيد رئيس
البلاد المفدّى.
وفاة السيد الرئيس كانت متوقعة منذ ما يزيد عن
الستين سنة لكن نظرا لإصراره على تحطيم
الرقم القياسي في الحكم الذي كان بحوزة يوليوز قيصر وحطمته من بعده الملكة
فيكتوريا.
لقد استطاع السيد
الرئيس أن يتجاوز في عمره الشخصي سقف المائة عام كما استطاع أن يتعدى في عمر حكمه
سقف التسعين عاما مادام قد تولى الحكم وهو صبي وعرف باقي مراحل حياته على ذات كرسي
الحكم من مراهقة وشباب وكهولة وشيخوخة. بل إن وسائل الإعلام تداولت خبراً مفاده أن
السيد الرئيس وافته المنية على كرسي الحكم وهو يفكر في مصائر البلاد والعباد...
ساحة الحي، الآن، امتلأت عن آخرها بالأطفال
والنساء والرجال والعجزة والحمقى... هرج ومرج وأمواج متلاطمة من الرؤوس الآدمية
وخيام كالفطر تنتصب هنا وهناك وأمطار ورقية تسقطها مروحيات تعبر السماء جيئة
وذهابا لتحفيظ الناس الأوردة والأدعية الخاصة بالمناسبة.
أعوان السلطة جمعونا
بمعية باقي سكان الحي ليقدموا لنا الإرشادات:
- تعرف البلاد اليوم
أسوأ
حدث في تاريخها وهو وفاة "الأب"، أب الجميع. وأنتم اليوم، من باب
الاعتراف بخدماته وانجازاته، جئتم بمحض إرادتكم لتنظموا موكبا جنائزيا رهيبا يليق
بروحه الطاهرة.
توقف العون الأول
ليطلب قنينة ماء معدني حصل عليها للتو. سكب نصفها في جوفه بينما واصل العون الثاني
مهمة الإرشاد:
- الموكب الجنائزي الرسمي سينطلق بعد قليل.وسيكون
علينا الآن اللحاق به بالخروج من جهة ذاك الشارع حيث نصبت الكاميرات لتصوير المشاركين الحاضرين
والغائبين على السواء. لكن، في انتظار إشارة الانطلاقة، يمكنكم الآن التجول بين
الخيام وقضاء مآربكم بهذه المناسبة الجليلة .
الخيام منصوبة في كل
مكان تعلوها الرايات وأغصان الريحان وصور الرئيس الفقيد.
اقترب مني أحدهم
وسألني:
-
هل نصبت كل وزارة خيمة خاصة بها في هذه الساحة؟
-
ليست لدي فكرة.
-
انظر!
اقتربت من أول خيمة
كتب على واجهتها »خيمة وزارة رعاية
الطفولة«:
الخيمة ممتلئة عن آخرها بأطفال يختارون لعبا تعرض بالمجان ودمى ومجسمات كتب عليها »سنبقى نحبك، أيها الأب«. ولأن الخيمة
للصغار، فقد خرجت هاربا من هياج الأطفال
وصراخهم.
زيارتي الأولى للخيمة
الأولى أكسبتني تجربة. لقد بدأت أقرأ
أسماء الخيام قبل دخولها.
هذه »خيمة وزارة الإرشاد والفتاوى الدينية« وهي أكثر الخيام ضجيجا لأنها علقت أبواقاً على أعمدتها تبشر من
خلالها بالأجر والثواب لمن شارك في هذه الجنازة. كما أن هذه الخيمة هي أفرغ الخيام
محتوى فلا يوجد داخلها غير آلة تسجيل تردد ما يسمع في الأبواق لجحافل المستمعين في
الساحة.
تبقى »خيمة وزارة التشغيل « قبلة الشباب. أزيد من عشرة موظفين يطلون من شبابيك الخيمة يوزعون
من خلالها بطائق الشغل على العاطلين عن العمل من الشباب المشارك في تشييع جنازة »الأب .«
الشباب يتدافع ويتزاحم لاقتناء بطاقة شغل من هذا الشباك ثم يعود للشباك المجاور
للتدافع مع الأجساد المتزاحمة للظفر ببطاقة شغل ثانية لعلها تكون أفضل في قطاع
أفضل براتب أفضل...
يد أحدهم جرتني من
كُمّ قميصي للمشاركة في تهيئة »خيمة وزارة حقوق
الإنسان «التي وصلت الساحة قبل العمال
الذين سينصبونها والموظفين الذين لا أحد يدري العرض الذي سيقدمونه بهذه المناسبة
الاستثنائية. لكن في الوقت الذي كانت اليد تجرني نحو»خيمة وزارة حقوق
الإنسان«،
كانت يد كل واحد في الساحة تجر أقرب كُمّ
إليها نحو الشارع هناك في المنعطف للمشاركة
في تشييع جثمان فخامة السيد الرئيس نحو مثواه الأخير.
أحدهم حاول الخروج
عن السيل الآدمي، محتجاً:
- لماذا سأحضر في
صلاة جنازة رجل ميت صليت له في حياته بعدد سنوات حياتي؟
فكان الجواب الجماعي
الآتي:
-اذكروا موتاكم بخير!
ثم كان جواب صوت
منفرد في زيّ رسمي وسط السيل الآدمي:
- اذكروا موتاكم
بخير وذكروا أحياءكم بالصمت والحكمة!
29
يونيو 2007
العودة إلى مواد المجموعة القصصية
كل حياتنا للراحة وكل مماتنا للقلق
خريطة الموقع
جميع
الحقوق محفوظة للمؤلف
ALL RIGHTS RESERVED
e-mail : saidraihani@hotmail.com

<title>http://www.raihanyat.com/arabicversion-shortstory5-index.htm</title>
<meta
name="description" content="أعمال محمد سعيد
الريحاني القصصية، موت المؤلف، writing">
<meta name="keywords" content=" نصوص
قصصية-
كتابات سردية- سرد- مجموعة قصصية">