|
رَيْحَانِيَاتٌ |
||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
"موت المؤلف"
مجموعة
قصصية
أسوأ قدر
لأسوأ أسير
إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجومِ
فطعم الموت في أمر حقير
كطعم الموت في أمر عظيمِ
أبو الطيب المتنبي
- حسنا أيها الأسير.
لقد انتهت الحرب، هذا تعرفه. وخسرتم المعركة، وهذا ما تعتمد علي في تأكيده.
واستحققت الأسر وهدا ما ستؤدي الثمن عليه...
لاحظ الضابط العسكري
نتائج تصريحاته ترسم شحوبا على وجه الأسير وضمورا لحجمه على الكرسي وارتعاشا في كل
أطرافه فنهض من كرسيه وظل يحوم في غرفة التحقيق
حول الأسير في دوائر واسعة ثم أقل سعة ثم أضيق فأضيق مضاعفا من شعور التوتر لدى
الأسير ليستطرد قائلا:
- ولأنكم كلفتمونا
الغالي والنفيس كجيش دولة، فإننا بعدما صيرناكم أفرادا بلا دولة سنطلب منكم أغلى
ما تملكون وأحب الأشياء إلى نفوسكم وقلوبكم قرابين للجيش المظفر...
توقف العسكري أمام
الأسير الذي قُزّمَ حتى لم يعد يظهر إلا كمُجسم إنسان، ثم سأله:
- ما هو القربان
الذي ستقدمه تعظيما وإجلالا للجيش الذي لا يُقْهَرُ؟
تردد الأسير، مطأطئا
رأسه. لكن العسكري أعاد له وضعية رأسه إلى الأعلى برأس هراوته، مكررا:
- القرابين ، أيها
الأسير، لا يمكن إلا أن تكون أنفس ما تملك وأغلى ما تشتهي وأحب ما في الوجود إلى
قلبك...
ثم مقتربا حتى وجه
الأسير:
- ما هو أغلى شيء في
حياتك؟
نطق الأسير، أخيراً:
- وطني.
- وطنك أخذناه. أنا
أسألك عن الشيء الغالي في حياتك والذي لا زال حصنا منيعا؟
- زوجتي.
- حسنا. أكتب لها تلغرافا تستدعيها إلى هنا.
- لكن ما شأن زوجتي بهذا المكان؟
- التحقيق يتطلب ذلك؟
ثم تراجع الضابط
العسكري إلى النافذة المشرعة فاسحا المجال للأسير كي يكتب بتلقائية...
الطرق على الباب
يتطلب جوابا من الضابط:
- ادخل.
دخل جندي وأدى التحية الآلية قائلا:
- زوجة الأسير، أيها
الرئيس.
- ادخلها، حالا،
أيها الجندي!
دُفعَتْ إلى داخل
الغرفة امرأةُ في مقتبل العمر وقد جُرّدتْ من ملابسها الداخلية ومن خفيها وأطلق
شعرها المخبّل على وجهها.
أشار العسكري إلى
المرأة وهو يسأل الأسير:
- هل هذه زوجتك التي
أبرقت لها قبل قليل؟
أومأ الأسير
بالإيجاب.
- هل هي أغلى ما
عندك؟
أومأ الأسير
بالإيجاب، منكسراً.
استدار العسكري صوب
الجندي، قائلا:
- إن كرَمَ هذا
الأسير يمنحك هذه المرأة. فهي لك وأنت حرُّ في التصرف فيها كما تشتهي النفس
الإنسانية. خذها وانصرف!
حاول الأسير
الاحتجاج بالصراخ لكن العسكري، بصوته غير العسكري، طمأنه:
- هل تعتقد أن
النساء أغلى ما في الحياة؟
ثم بدأ دورانه على
طريقة القرش حول كرسي الأسير بخطوات منتظمة يرنُّ وقع الكعب المعدني معها في كل
وجدان مهزوز:
- هل تغلب كفة
الزوجة على الأولاد، أيها الأسير؟
كان الأسير ينتحب
ولم يستطيع الجواب فواصل العسكري:
- سأساعدك على تغيير
رأيك. فالأولاد زينة الحياة في عُمر الآباء، والأولاد امتداد للآباء بعد رحيلهم...
ثم مستديراً نحو
الباب:
- أيها الجندي، أدخل
الأبناء!
انفتح الباب وتدفق
إلى الحجرة ثلاث أطفال يصرخون:
- بابا! بابا! بابا!
حاول الأسير النهوض
لمعانقة أطفاله لكن العسكري منعه:
- أرأيت، أيها
الأسير؟ لم تفعل شيئا من هذا حين جاءت زوجتك ولا قالت لك "حبيبي"
ولا قلت لها "حبيبتي". أرأيت الآن أيهما أغلى؟
ثم أردف:
- هل تعلم، أيها
الأسير، أن قدماء الإغريق كانوا يضعون أطفالهم مباشرة بعد ميلادهم في أعالي الجبال
لمدة ثلاثة أيام فيموت ضعاف الأطفال ولا يعود لآبائهم، بعد الأيام الثلاثة، إلا
الأقوياء؟
استدار العسكري نحو
الجندي عند الباب:
- أيها الجندي، خذ
الأطفال عراة إلى قمم جبال الشمس مباشرة تحت أعشاش النسور لمدة ثلاثة أيام على أن
نحتفل في اليوم الرابع بمن بقي حيا منهم. خدهم وانصرف !
حاول الأسير
الاعتراض والتمسك بأطفاله لكن الجندي كان قد أوصد الباب دونه بينما أمسكه العسكري
من ياقة قميصه وأعاده إلى الكرسي ليبدأ دورانه من جديد حول الأسير الذي بدا الآن
نحيبه أعلى ودموعه أغزر.
توقف العسكري فجأة
وراء الأسير وهمس له في أذنه:
- لم تقدم قربانا
للجيش المظفر لحد الساعة. لم تقدم قرابين إلا لمتعة الجندي وفراخ النسور.
استقام ثانية وبدأ
يدور قائلا:
- وسع نظرك على
نفائس ممتلكاتك وَابْحرْ في خيالك وسترى ما يمكن تقديمه قربانا للجيش المظفر!
التقط الأسير أنفاسه
ليعترض:
- لم يبق لي شيء بعد
ضياع الوطن والزوجة والأبناء...
عارضه العسكري بمودة
ظاهرة:
- لا، أيها الأسير.
لا زلت تمتلك أغلى ما في الكون. لا زلت تمتلك النظر وهو وسيلة الوصول إلى الحقيقة.
و لا زلت تمتلك القلب وهو خزان الأذواق
والذكريات والمهارات. و لا زلت تمتلك الدماغ وهو قوة الكون بأكمله...
رفع الأسير رأسه
قائلا:
- أيها الرئيس.
سأطلب منك طلبا واحدا ويمكنك أن تعتبره قربانا.
أجابه العسكري:
- وما هو هذا الطلب،
أيها الأسير؟
- أن تحررني بطلقة
نارية في الرأس.
ثم جازما:
- اقتلني، رجاء!
عاد العسكري إلى
كرسيه قبالة كرسي الأسير ليصارحه:
- لو كنتَ تقدمتَ
بهذا الطلب قبل كل هذا الإذلال، لكنت أشرف الشرفاء وَلَمتّ شهيداً. أما الآن،
فستستحق أمنيتك بالموت بطلقة نارية في الرأس ولكنك، أيها الأسير، ستموت كالكلب
موْت الكلاب وتدفن رمياً في مقبرة جماعية كالكلاب ولن يذكرك أحد فقد قتلتَ نسلكَ
وانتهتْ قصتكَ.
28 مارس 2007
العودة إلى مواد المجموعة القصصية
كل حياتنا للراحة وكل مماتنا للقلق
خريطة الموقع
جميع
الحقوق محفوظة للمؤلف
ALL RIGHTS RESERVED
e-mail : saidraihani@hotmail.com

<title>http://www.raihanyat.com/arabicversion-shortstory5-index.htm</title>
<meta
name="description" content="أعمال محمد سعيد
الريحاني القصصية، موت المؤلف، writing">
<meta name="keywords" content=" نصوص
قصصية-
كتابات سردية- سرد- مجموعة قصصية">